أحمد أمين
100
كتاب الأخلاق
فبينا يرى الكلبيون السعادة في الفرار من اللذة وتقليلها جهد الطاقة يرى القورينائيون السعادة في نيلها والإكثار منها . ثم جاء أفلاطون ( 427 - 347 ق . م ) ، وهو فيلسوف أثيني تتلمذ أيضا لسقراط ، وقد ألف كتبا كثيرة حفظت لعهدنا هذا ، كتبها على شكل محاورات ، وأكثرها شيوعا « كتاب الجمهورية » وآراؤه في الأخلاق منثورة في تلك المحاورات ممزوجة بأبحاثه الفلسفية ، وكلامه في الأخلاق مبني على « نظرية المثل » ، وتوضيح ذلك أنه يرى أن وراء هذا العالم المحسوس عالما آخر روحانيا ، وأن لكل موجود مشخص مثالا غير مشخص في العالم العقلي أو الروحاني ، طبق ذلك على الأخلاق فقال : إن بين هذه المثل مثالا للخير ، وهو معنى مطلق أزلي أبدي بالغ الكمال ، وكلما قربت المعاملة منه وسطع عليها ضوؤه كانت أقرب إلى الكمال ، وفهم هذا المثال يحتاج إلى رياضة النفس وتهذيب العقل ، ومن ثم لا يدرك الفضيلة في خير أشكالها إلا من كان فيلسوفا . وكان يرى أن في النفس قوى مختلفة ، والفضيلة تنشأ من تعادل تلك القوى وخضوعها لحكم العقل ، وذهب إلى أصول الفضائل أربعة : الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ، وهي قوام الأمم كما أنها قوام الأفراد ، ففي الأمم نرى الحكمة فضيلة الحكام والشجاعة فضيلة الجنود ، والعفة فضيلة الرعية ، والعدل فضيلة الجميع ، تحدد لكل إنسان عمله وتطلب منه أن يعمل على أحسن وجه ، وكذلك الشأن في الفرد . الحكمة هي الفضيلة الحاكمة للشخص المدبرة له ، والشجاعة فضيلة بها يدفع الشرور ، والعفة بها يقاوم الميل إلى التغالي في اللذائذ ، والعدل الفضيلة الدافعة للعمل بما يتفق مع مصلحة الناس . ثم جاء أرسطو أو أرسططاليس ( 384 - 322 ق . م ) وهو تلميذ أفلاطون أسس مذهبا خاصا يسمى أتباعه بالمشائين ) sciteitapireP ( « لأنه كان يعلم وهو يمشي ، أو لأنه كان يعلم في مماش مظللة » ، وقد بحث في الأخلاق ، وألف فيها ، وقد رأى أن الغاية الأخيرة التي يطلبها الإنسان من أعماله « السعادة » ، ولكن نظره إلى السعادة أوسع وأعلى مما يذهب إليه المنفعيون في العصور الحديثة ، وطريق نيل السعادة عنده استعمال القوى العاقلة أحسن استعمال .